في الإنسان قلب...
في الإنسان قلب.
وعقل.
وسلوك.
والإنسان لا يستقيم إلا لما الترتيب يكون صحيح.
القلب المستنير بالإيمان يوجّه العقل.
والعقل الرشيد يضبط السلوك.
والسلوك يترجم ما في القلب وما فهمه العقل.
يعني القلب يتلقى من الله معاني الإيمان، والخشية، والرضا، والتسليم.
والعقل يفهم، ويميز، ويحسب العواقب.
ثم الجوارح تتحرك بعد ذلك بما يرضي الله.
لكن المشكلة إن الترتيب ده اتعكس عند ناس كتير.
السلوك سبق العقل.
والعقل انفصل عن نور القلب.
فالإنسان يشوف شهوة، أو مصلحة، أو منفعة قريبة، فيجري وراها بسرعة.
من غير حكمة.
من غير روية.
من غير ما يسأل نفسه:
هل هذا يرضي الله؟
هل نهايته خير؟
هل قلبي مطمئن له؟
وبعد ما يفعل، ييجي العقل متأخر.
مش عشان يحاسبه.
لكن عشان يبرر له.
يدور له على مخارج.
ويقول له:
ما هي مش مشكلة قوي.
كل الناس بتعمل كده.
الظروف حكمت.
أنا مضطر.
وهنا القلب المؤمن يحاول ينبهه:
انتبه.
هذا لا يليق.
هذا فيه شبهة.
هذا يبعدك عن الله.
لكن بدل ما يسمع صوت قلبه، يسكت القلب بالتبرير.
وده من أخطر أمراض العصر.
إن الإنسان يتحرك أولًا، ثم يفكر بعد ذلك، ثم يبحث عن مبرر لما فعل.
أما لو القلب استنار بالإيمان، قاد العقل إلى الحق.
ولو العقل استقام بالحكمة، ضبط السلوك.
وهنا يظهر نور العقل.
نور العقل مش مجرد ذكاء.
ولا كثرة معلومات.
نور العقل أن ترى الأمور بنور الله.
أن تعرف النعمة.
وتحمد الله عليها.
وتنظر إلى ما أُعطيت، لا إلى ما فاتك.
وتنظر إلى من هو دونك في الدنيا، لا إلى من هو فوقك.
فتشكر.
وترضى.
وتهدأ.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
والعلم الحقيقي ليس معلومات كثيرة فقط.
العلم الحقيقي هو الذي يزيدك معرفة بالله.
ويزيدك خشية منه.
ويجعلك ترى في كل شيء آية تدل عليه.
العالم حقًا لا يقف عند ظاهر الأشياء.
بل يرى وراء النعمة مُنعِمًا.
ووراء الكون خالقًا.
ووراء التدبير حكمة.
فتجري على لسانه كلمات الذكر:
لا إله إلا الله.
سبحان الله.
حسبنا الله.
إنا لله.
ما شاء الله.
لكن الفرق كبير بين أن تقولها بلسانك فقط، وبين أن تعيشها بقلبك.
تقول: سبحان الله.
يعني تنزّه الله عن كل نقص، وتسلم لحكمته.
تقول: لا إله إلا الله.
يعني تتحرر من الخوف من الخلق، ومن التعلق بهم، ومن عبودية الشهوات.
تقول: حسبنا الله.
يعني تجد في قلبك كفاية الله، والتوكل عليه، والثقة به.
الكلمات العظيمة لا تكفي أن تُقال.
لازم تُفهم بالعقل.
وتستقر في القلب.
وتظهر على السلوك.
فأعد ترتيب حياتك.
لا تجعل السلوك يسبق العقل.
ولا تجعل العقل ينفصل عن الإيمان.
اجعل قلبك المؤمن يوجّه.
وعقلك الرشيد يضبط.
وسلوكك يتبع.
فليس المطلوب أن نلغي العقل.
بل أن نستنيره بالإيمان.
وليس المطلوب أن نتبع العاطفة بلا ضابط.
بل أن نطهر القلب حتى يكون موضعًا للحكمة والبصيرة.
فإذا استنار القلب بالإيمان، واستقام العقل بالحكمة، انضبط السلوك، وأشرق في الإنسان نور العقل.



تعليقات
إرسال تعليق