يا رسول الله، دلّني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس.
جاء رجل إلى سيدنا النبي ﷺ، فقال:
يا رسول الله، دلّني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس.
فقال له النبي ﷺ:
«ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس».
حديث قصير، لكنه يرسم طريقين عظيمين:
طريقًا إلى محبة الله.
وطريقًا إلى محبة الناس.
أما محبة الله، فطريقها الزهد في الدنيا.
والزهد لا يعني أن تترك الدنيا.
ولا أن تترك العمل.
ولا أن ترفض المال.
ولا أن تتوقف عن السعي.
ولا أن تختار الفقر وتظن أن هذا هو الزهد.
الزهد الحقيقي أن تكون الدنيا في يدك، لا في قلبك.
أن تملك المال، لكن لا يملكك.
أن تسعى في رزقك، لكن لا تنسى ربك.
أن تفرح بالنعمة، لكن لا تتعلق بها.
وأن تحزن على الفقد، لكن لا ينهار قلبك كأن الحياة انتهت.
الدنيا أداة.
إن جاءت، شكرت.
وإن ذهبت، صبرت.
إن وُجد المال، استعملته في الخير، وأدّيت حقه، وأنفقت منه فيما يرضي الله.
وإن نقص، لم ينقص معه يقينك.
لأن قلبك متعلق بمن أعطى، لا بما أُعطي.
أما محبة الناس، فطريقها أن تزهد فيما في أيديهم.
يعني ألا تنظر إلى ما يملكون بعين الطمع.
ولا تعلّق قلبك بما عندهم.
ولا تجعل نفسك منشغلًا بأموالهم، أو جاههم، أو مكانتهم، أو عطائهم.
فالناس تحب من لا يزاحمها على ما في يدها.
وتطمئن لمن لا يطمع فيها.
وترتاح لمن لا يحمّلها حاجاته فوق طاقتها.
تحب من استغنى بالله، فصار قربه خفيفًا، وعلاقته نقية، ومحبته بلا مصلحة.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
فكلما استغنى القلب بالله، قلّ انكساره أمام الناس.
وقلّ تعلّقه بهم.
وقلّ طلبه منهم لما ينبغي أن يطلبه من الله.
هنا يحبك الناس؛ لأنهم يأمنون طمعك.
ويحبك الله؛ لأن قلبك لم يجعل الدنيا أكبر همه.
فالزهد ليس فقر اليد.
الزهد غنى القلب.
أن تملك الدنيا، ولا تملكك.
أن تنتفع بالنعم، ولا تتكبر بها.
أن تسعى في الأرض، وقلبك معلق بالسماء.
أن ترى ما عند الله أعظم مما في يدك.
وأن ترى ما عند الله أبقى مما في أيدي الناس.
اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا، وارزقنا غنى القلب، والزهد فيما عند الناس، ومحبتك ومحبة عبادك.



تعليقات
إرسال تعليق