من أخطر أزمات الإنسان اليوم أنه يظن أنه تقدّم، وهو في الحقيقة قد يرجع إلى جاهلية جديدة.

 من أخطر أزمات الإنسان اليوم أنه يظن أنه تقدّم، وهو في الحقيقة قد يرجع إلى جاهلية جديدة.
جاهلية ليست مثل الجاهليات القديمة فقط.
بل جاهلية معها شاشات.ومعها إعلام.ومعها خوارزميات.ومعها انتشار سريع.ومعها قدرة على تلويث الذوق والروح في لحظات.
المشكلة لم تعد أن الخطأ موجود.
المشكلة أن الخطأ صار يُسوَّق كحرية.والشهوة تُقدَّم كحب.والانفلات يُقدَّم كتحرر.والفراغ الروحي يُقدَّم كموضة.والتعلق بالصورة يُقدَّم كحقيقة الإنسان.
وهنا يحتاج العالم كله أن يسمع صوتًا أهدأ وأعمق.
صوت أهل الصفاء الذين فهموا أن الحب ليس مجرد تعلق جسد بجسد.
الحب أعمق من هذا بكثير.
الحب في أصله طلب للجمال.وطلب للكمال.وطلب للبقاء.وطلب للمعنى.وطلب للسكينة.
لكن الإنسان قد يخطئ الطريق.
فيقف عند الصورة.
يتعلق بشكل.أو جسد.أو لذة.أو خيال.أو لحظة.
ثم يظن أنه وجد الحب.
وهو في الحقيقة ازداد عطشًا.
لذلك قيل في المعنى إن الحب الحسي إذا انحبس في الجسد فقط، صار حجابًا عما وراءه.
ليس لأنه في أصله حرام مطلقًا؛ فالحب الحلال والرحمة بين الزوجين من نعم الله.
لكن الخطر أن يتحول الحب إلى عبودية للصورة.
أن يصبح الإنسان أسيرًا للذة لا للمعنى.
أسيرًا للجسد لا للروح.
أسيرًا للشكل لا للحقيقة.
وهنا يصبح مثل من يشرب من ماء البحر.
كلما شرب، ازداد عطشًا.
لأن الجسد وحده لا يروي القلب.
والصورة وحدها لا تشبع الروح.
واللذة وحدها لا تعطي سكينة.
القلب خُلق لما هو أعلى.
خُلق لمعرفة الله.
فإذا أخذ الإنسان الحب من غير نور، صار الحب حجابًا.
أما إذا عرف الله، صار الحب بابًا.
يرى الجمال فيرجع إلى الجميل.
يرى الرحمة فيرجع إلى الرحيم.
يرى الأنس فيرجع إلى الودود.
يرى المحبة فيعلم أن أصلها من الله.
فالمشكلة ليست في الحب.
المشكلة في أن ينزل الإنسان بالحب إلى مستوى الشهوة وحدها.
الحب الحقيقي يطهّر.
يرفع.
يهذب.
يجعل الإنسان أرحم، أصدق، أنقى، وأقرب إلى الله.
أما الحب الذي يستهلك القلب ويتركه فارغًا، فهو تعلق لا شفاء فيه.
فلا تخلط بين الحب والشهوة.
ولا بين الحرية والانفلات.
ولا بين الجمال والصورة.
ولا بين اللذة والسكينة.
كل حب لا يقودك إلى معنى أعلى، سيتركك عطشانًا.
وكل جمال لا يردك إلى الجميل، سيصير حجابًا.



x

تعليقات

المشاركات الشائعة