في الطريق إلى الله، في لحظة اسمها: الصحو بعد السكر.
في الطريق إلى الله، في لحظة اسمها: الصحو بعد السكر.
يعني إيه؟
يعني القلب أحيانًا لما يذوق شيئًا من جمال القرب من الله، يندهش.
ينبهر.
يغيب عن نفسه.
يحس إن الدنيا كلها صغيرة، وإن كل شيء لا يساوي شيئًا أمام شهود فضل الله وجماله.
ده يسموه أهل الطريق: السكر.
مش سُكر المعصية، ولا ذهاب العقل بالخمر.
لكن سُكر المحبة.
سُكر الدهشة.
سُكر الشوق.
لكن المقام الأعلى من السكر هو الصحو.
يعني ترجع من الدهشة إلى الأدب.
ومن الانبهار إلى الاتزان.
ومن الغيبة إلى الوعي.
ومن الشوق وحده إلى شهود الجمال والجلال معًا.
لأن الإنسان في حال السكر قد يغلب عليه الوجد، فيتكلم بكلام لا يُفهم على ظاهره، أو لا يصلح أن يُقتدى به فيه.
أما الصحو، فهو مقام ضبط.
مقام وقار.
مقام أدب.
مقام إنسان ذاق، ثم عاد للناس رحمةً بهم، لا غيابًا عنهم.
الصحو معناه إنك تشوف الحقائق، لكن لا تفقد الأدب.
تحب الله، لكن لا تخرج عن حدود الشريعة.
تذوق المعنى، لكن تبقى ثابتًا في التكليف.
تعيش بقلبك مع الله، وبجوارحك في خدمة الخلق.
الصحو هو أن تصير مع مراد الله، لا مع مجرد طلبك أنت.
في البداية قد تقول: يا رب أعطني، يا رب اصرف عني، يا رب عجّل لي.
لكن لما يترقى القلب، يبدأ يطمئن.
يقول: يا رب، أنا مع ما تريد.
إن أعطيتني رضيت.
وإن منعتني رضيت.
وإن قرّبتني شكرت.
وإن ابتليتني صبرت.
لأن القلب الصاحي لا ينازع تدبير الله.
ولا يتهم حكمة الله.
ولا يضيق بقسمة الله.
ومن هنا نفهم أن السكر رغبة في الحق، أما الصحو فهو اكتفاء بالحق.
السكر شوق.
والصحو طمأنينة.
السكر دهشة.
والصحو أدب.
السكر انجذاب.
والصحو ثبات.
ثم يأتي معنى الاتصال بالله.
والاتصال ليس أن تختفي العبودية أو تزول الحدود.
بل معناه أن يتعلق القلب بالله وحده.
يعتمد عليه.
يشهد أثره في كل شيء.
ويرى أن كل ما سوى الله لا يقوم إلا بالله.
ثم يأتي معنى الانفصال.
أن تنفصل عن التعلق بالخلق.
عن الدنيا.
عن الهوى.
عن نفسك.
عن كل شيء يحجبك عن مولاك.
فالطريق كله بين اتصال وانفصال:
اتصال بالله.
وانفصال عما يبعدك عن الله.
اتصال بالحق.
وانفصال عن الوهم.
اتصال بالعبودية.
وانفصال عن دعوى النفس.
اللهم ارزقنا صحوًا بعد الغفلة، وأدبًا بعد الدهشة، وثباتًا بعد الشوق، واتصالًا بك يقطعنا عن كل ما سواك.



تعليقات
إرسال تعليق