ولهذا لا تعتمد على مجرد الحماس.

 كل شيء بقضاء الله وقدره.


وكل ما قدّره الله لا مفر منه.


لكن المشكلة ليست في القدر.


المشكلة في طريقة نظرنا للقدر.


في ناس ترى البلاء وحده، فتتألم وتنقبض.


وفي ناس ترى الله قبل البلاء، فتطمئن وتسلم.


لما تعرف أن علم الله لا يتغير، وأن ما كتبه الله واقع لا محالة، يبدأ القلب يهدأ.


لأن ربنا لا يجهل.


ولا يتفاجأ.


ولا يراجع معلوماته.


ولا تتبدل عنده الحقائق.


هو سبحانه يعلم الأشياء على حقيقتها، وما يظهر في الكون إنما يظهر على وفق علمه وحكمته.


فالمؤمن لا يحاول أن يهرب من قدر الله إلى شيء خارج عن الله.


بل يفر من الله إلى الله.


يسعى.


يدعو.


يأخذ بالأسباب.


لكن قلبه يعرف أن كل الأسباب تحت سلطان الله.


ومن هنا يبدأ مقام التسليم.


والتسليم ليس كلمة تقولها بلسانك فقط:


أنا مسلم أمري لله.


التسليم مقام يتربى عليه القلب.


تتعلم التسليم لما تنظر في أقدار قديمة كنت حزينًا منها، ثم بعد سنوات اكتشفت أن وراءها خيرًا كبيرًا.


تقول:


سبحان الله، لو كنت أعرف النهاية ما كنت جزعت من البداية.


ومع تكرار هذه المعاني، يبدأ القلب يثق في تدبير الله.


ثم يترقى من الصبر إلى التسليم.


ومن التسليم إلى الرضا.


الصبر أن تتجرع المرّ ولا تعترض.


والتسليم أن يهدأ قلبك أمام القدر.


والرضا أن ترى وراء القدر حكمة ورحمة، فيسكن قلبك بل ويفرح بما اختاره الله لك.


وهذا لا يأتي بمجرد قرار.


لا أحد يصبح متوكلًا أو راضيًا أو مسلمًا بمجرد أن يقول: قررت.


هذه مقامات لها أسباب.


من أهمها:


الذكر.


والمعرفة بالله.


والتفكر في أقدار الله الماضية.


وصحبة أهل الطريق والعلم.


ومجاهدة النفس بهدوء.


والقيام في الأسحار.


وتطهير القلب من الأغيار.


والأغيار هي كل ما يشغل القلب عن الله:


حقد.


رياء.


كبر.


حسد.


تعلق.


خوف زائد من الخلق.


اعتماد على الأسباب.


وكلما زاد الذكر، وزادت المعرفة، بدأ نور الله يزاحم ظلمات القلب، حتى يخرج منها شيئًا فشيئًا.


ولهذا لا تعتمد على مجرد الحماس.


الحماس يشتعل ثم ينطفئ.


لكن الطريق يحتاج دوامًا.


قليل دائم خير من كثير منقطع.


لا تُحمّل نفسك فوق طاقتها، ثم تتعب وتترك كل شيء.


خذ من الطاعة ما تستطيع أن تثبت عليه.


فالطريق إلى الله ليس سباق مظهر.


بل صدق ودوام.


ولا تجعل شعورك مقياس قبولك.


قد تذكر ولا تشعر.


وقد تصلي ولا تذوق.


وقد تعمل خيرًا وقلبك منقبض.


لكن لا تترك العمل لأنك لم تشعر.


فالشعور ليس هو الميزان.


الميزان أن تثبت على باب الله.


ثم قل بذل وانكسار:


يا رب، لا تقطعني عنك بقاطع.


ولا تحرمني من سرك الهادي.


ولا تجعلني أتعلق بالشعور، وأنسى أنك أنت المقصود.


اللهم ارزقنا تسليمًا لأقدارك، ورضًا بقضائك، وذكرًا يطهر قلوبنا، ومعرفةً تفتح لنا أبواب القرب منك.

تعليقات

المشاركات الشائعة